البداية > رأي > علّم طفلك أن يعرف الله ..!

علّم طفلك أن يعرف الله ..!

( الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك )

كل الأجيال التي مرّت على وجه الأرض منذ أن أُنزل آدم من الجنة و إلى ما قبل عقود قليلة عاشت تقريبا في ظروف متشابهه مقارنة بالظروف التي تحيط بأجيال العصر الحديث ، فسابقًا كان محيط الطفل محدودًا مهما بلغ اتساعه و من الممكن تقييد اطلاعه و تحديد المصادر التي يتلقى منها  الآراء، حينئذ شكّل الوالدان ركائز التعليم الأولى للطفل فكان يكبر وهو يتلقن منهم مبادئه و قناعاته ثم يشب تحت سيطرتهم يبعدونه عما لا يروقهم أن يختلط به و يقربونه مما يرونه مناسبًا لإصلاحه ،كان من السهل جدا حينها أن يُمنع الابن من الاختلاط بالمشوشات التي تدمرّ خُلق الشخص و ربما عقيدته، فأنت حين لا تروقك صحبة ابنك امنعه عنهم ببساطة، و استخدم أسلوب المنع هذا مع أي شائبة لا تتماشى مع مزاجك ..!

أما اليوم فالمنع لا يجدي و لا يؤثر، فإما أن تكون الرقابة ذاتية يمارسها الابن على نفسه أو فترحّم على أخلاقياته و إرثِ المبادئ التي فرضتها عليه منذ ولد.

هذا هو الواقع و هذه هي الحقيقة و لا مجال لان ندّعي غير هذا، و لذلك وجب على كل وصي يخاف على أطفاله من أن تجرفهم عواصف الفساد أن يلتفت أولاً لتقويم أسلوبه في التربية و استيعاب تطور العالم و مدى الاختلاف الحاصل ليعي طرق التغلب عليها .

استغربُ اليوم حين التقي بفتيات لازالت حياتهن محصوره  بأساليب المنع التي ما عادت تجدي في زمن كهذا، و استغرب أكثر حين اكتشف بأن التي يمنعها والدها من الرد على الهاتف فضلًا عن امتلاك جوال تملكُ دون علمه اثنان تستخدمها غالبًا لإجراء مكالمات غير أخلاقية !  أخبروني مالذي جناه الأب من هذا المنع المتعسف؟

يجب أن ندرك جميعنا أن المنع بات لا يمثل حلاً للفساد الأخلاقي الذي اجتاحت عواصفه هذا المجتمع ، بل انه اليوم اسوأ أسلوب تربوي يتبعه الأب مع أبنائه …

فالوالد الحكيم يعلم بأنه حين يسمح لابنه أو ابنته بشئ فهو هنا يصدهم بطريقة غير مباشرة عن الانزلاق في الجوانب السلبية من استخداماته , فالفتاة التي تضطر إلى استخراج جوال دون علم والدها ستكون الحاجة دافعا لها في بادئ الأمر إلا أنها ستتساهل في الولوج إلى الأبواب المظلمة من استخدامات الجوال لانعدام رقابة الأهل عليه (إلا إن كانت حصانتها الدينية قوية) .

لو أني أمارس دور الوالد لفضلت أن اجعل الحاجز بيني و بين أبنائي معدومًا و أن أكون قريبًا منهم بما يكفي لأن أراقبهم دون أن يشعرون بهذا ، فلا بأس من أن أساير بعض حماقاتهم ما لم تمس المبادئ الأخلاقية و الدينية إن كان هذا سيهدم من الفروقات العمرية بيني و بينهم ، و لا بأس أن اسمح لهم في كثير من الأحيان بما لم يعتد المجتمع على أن يسمح به الوالد، فأنا شخصيا أُفضل أن يفعل ابني ما يفعله و أنا على علم بأفعاله على أن يفعله في الخفاء و دون أن اعلم، خصوصا و اغلب الأمور التي يمنعها بعض الاباء لا تشكل ضررًا مباشرًا على أخلاق الأبناء و عقائدهم و إن كانت تحتمل الضرر بنسبة ما إلا أنها نسبة غير أكيده، و اليوم أصبح من السهل جدا أن يتمرد الابن على قوانين والده ، فمالذي يجنيه الأب من تلك القوانين إن كانت سهلة الاختراق ؟

بما أني أُمثل هذا الجيل, و بما أني أعيش وسط مجتمعات الفتيات و اعرف كل خبايا تلك المجتمعات و أعي جيدا من خلال تلك المعايشة أن المنع لم يجدي في أي من الحالات التي مررت بها ، فسأتكلم بوجهة نظر شخصية لا تمثل دراسة علمية إلا أنها حصيلة تجربة ، و لكم أن تقتنعوا بها أو ألا تقتنعوا .

اسمعوني ….

هذا الانفتاح التكنولوجي الذي يعيشه العالم يجعل من التربية معادلة صعبة لا يمكن أن نلعب فيها دور المراقب و الفارض لنحصل على نتيجة مرضيه؛ فالأمر أكثر تعقيداً مما يدور في أذهان أبناء العقود الماضيه، و التربية بحاجة إلى من يدرك هذا التعقيد ليجيد التعامل معه بحكمه.

اعرف جيدا أن قائمة الممنوعات هي أكثر الأساليب التربوية رواجا في مجتمعي، و أدرك جيدا أنها غير صالحة للتطبيق و أن نتائجها فاشلة على الدوام …

فحتى لو عزلنا أبناءنا في أبراج لا أبواب لها و لا نوافذ و منعنا دخول أي كائن إليهم فمن الممكن أن تصل إليهم التقنية بطرق عجيبة قد لا ترد على أذهاننا! و الأفضل أن نصنع في نفوس أبناءنا جدران من الرقابة الذاتية (أو ما يعرف بالوازع الديني) نحميهم بها من كل المفسدات الأخلاقية، أي أن نجعل رقابتهم على أنفسهم اشد من رقابتنا عليهم و أن نعلمهم معنى (الله فوق) (فإن لم تكن تراه فهو يراك) و بعد ذلك نتركهم واثقين بصلاحهم لنراقبهم عن بعد.

فبدلا من أن نفرغ طاقاتنا في المراقبة و التشديد كان من المفترض أن نتقن زرع التقوى في نفس الطفل و ألا نحاصره بجدران المنع، أن نزرع داخله كمّ المبادئ الأساسيه لجعله مسلماً حقيقياً, أن نعلمه انه يتعامل مع الله في كل تصرفاته  فمراقبة الله له أقوى من مراقبتنا و أدوم، و عقابه اشد من عقابنا, و ثوابه أكرم من ثوابنا.

لأن بداخل كل إنسان جانب شيطاني و آخر طيب (و هذا ما يعرف شرعًا بالنفس الأمارة بالسوء و النفس اللوامة)  الأول تسيطر عليه الرغبات الذاتية و الأهواء و الثاني يحكمه الخوف من الله و الدوافع الإنسانية ، و حين نعلم أن الخمس السنوات الأولى من عمر الطفل هي التي تشكل شخصيته و قناعاته  بل و حتى تصرفاته في ما يتبقى له من عمر فيجب علينا أن نركز خلالها على غرس القيم و المبادئ لنحصد غرسنا بعد سنين، فلنرهق أنفسنا في تربية الطفل صغيرًا لنستريح حين يشب .

آخر ما أود قوله:

إن المجتمع إلى اليوم يمتلئ بنماذج لم تتقن معادلة التربية الحديثة التي تستوجب كثيراً من الحكمة و قليلاً من القوة، نماذج تمارس أساليب الأجداد لتربية الأحفاد !

خيبة كبيرة سيحوزها الوالد الذي يصدح صوته في المجالس و هو يحكي عن قوانين المنع الصارمة التي يمارسها مع أبناءه ثم يلطمه احدهم بفضيحة أخلاقية/دينية يجيد معها الإفلات من كل قوانينه!

ثم أن هناك فرق شاسع بينه و بين آخر علّم أولاده التقوى و شرح لهم كيف يكون السمو عن السفاسف ثم عبأهم بثقته و فتح لهم المجال ليراقبوا أنفسهم فخرجوا للمجتمع صالحين مصلحين.

حان الوقت ليدرك الجميع أن التربية ليست لعبة ( بلوت ) أو ( حكاية ) في ( مجلس حريم )!

  1. 2 فبراير 2010 عند 4:11 م | #1

    ذاك مانحتاجه أكثر من أي شيء آخر الآن ..الرقابة الذاتية والخوف من الله..اقتراب الوالدين من أبنائهم وانعدام الحواجز كما ذكرت ومن ثم غرس تلك الركائز..وتلك ليست تربية حديثة إنما هي عقول منفتحة تعرف كيف تقدم أبنائها للحياة دون خوف…
    جميل جدا ماكتبت..شكرا لك..

  2. 2 فبراير 2010 عند 8:52 م | #2

    جميل ما كتبت
    طرح رائع
    سأعيد قراءته من جديد

  3. 3 فبراير 2010 عند 9:25 م | #3

    فعلا ماقلتيه اخت حنان فالتربية الذاتية هي من اساليب التربية الحديثة.
    والمراقبة تكون بالدخول مع الابن في عالمه ومساندته بدلا من منعه الدخول فيدخل حين غقله وحيدا هناك..
    شكرا على الطرح المفيد اخت حنان

  4. 13 فبراير 2010 عند 5:07 م | #4

    ماسة: اهلا بك اولا .. ثم اني ماكنت اعني ان التربية الحديثة مصطلح بذاته انما اردت ان اتكلم عن التربية في ظل هذه الظروف التي استحدثت في هذا الزمن .. سعيدة بفكرك يا ماسة .. شرفتيني ^^

    الشيخة :
    اهلا بك حين تحبين :)

  5. 13 فبراير 2010 عند 5:09 م | #5

    اهلا بك ياابن الحياة , هي التربية حكمة و ليست علماً نتادوله .. مرحبا بك يا اخي

  6. 21 فبراير 2010 عند 11:20 ص | #6

    لكن الظاهر أن الآباء في منطقتنا الرجغرافية هذه أمامهم الكثير ليمارسوا ما تدعين إليه يا حنان!

    ذكرني هذا بفتاة هنا في مصر، أبوها كان يفخر جدا بأنه ألزم ابنته بارتداء الحجاب مذ كانت في المرحلة الابتدائية، ثم ما أن كبرت البنت واشتد عودها خلعت الحجاب! لو كان انتظر قليلا هذا الأب وأقنعها به بدلا من إلزامها لكان أنفع له ولها.

    التربية عندنا – كما كل شيء – فهلوة!

  7. 23 فبراير 2010 عند 4:51 م | #7

    لنتفائل يااحمد :)

    فربما يغير جيل الاباء القادم كل هذه السلبية في التربية .. من يدري !

    شرفني وجودك ..

  8. 28 فبراير 2010 عند 12:20 ص | #8

    حنان
    نحتاج نحن اكبار معرفة الله جيداً وليس بمعنى الاستسلام فقط

    يحتاج الرب أن نعرفه حق قدره ، ثم نعرفه لأبنائنا .

    القيود صدقيني نحتاجها احيانا لتسير عملية التعليم دون القيود الحالي الي تكبل وتعيق . هم يحتجون أكثر مما قدم لنا ليكونوا أفضل منا إن شاء الله

    دمتم..

  9. 1 مارس 2010 عند 2:46 ص | #9

    ميقات ,

    صحيح .. نحتاج قبلهم الى ان نعرف الله كما يجب ..

    و لا اجدني اختلف معك في اي مما قلته , فانعدام الرقابة خطأ ؛ تماما كالمبالغة فيها ..

    شكرا لك , وجودك شرف لي

  10. ثائرة ^
    29 مارس 2010 عند 11:15 ص | #10

    أهلاً حنان ,
    سطورٌ جميلة , استمتعتُ بقراءتها كثيراً ..
    إنه شبيهٌ لمقالٍ وجّهته لشقيقاتي الأمهات قبل أشهر ,
    لا أعلم إن كنتُ أفكّر بمثاليّة شديدة !
    أو أن من حولي يعانون من البلادة ..!
    نحنُ نعاني من أزمة تربويّة :/
    ..
    بوركتِ يا أُختاه (F)

  11. 29 مارس 2010 عند 5:20 م | #11

    و المطلوب ان نحاول ان ننجز لنتجاوز هذه الازمة ..
    ثم التفكير بمثالية مطلب نحتاجه لنغير سلبيات هذا المجتمع

    سعيدة بوجودك يا ثائرة ، احب ان اجد هنا من يملكون مثل فكرك ^_^

  12. صوتان بن عالي
    27 أبريل 2010 عند 6:47 م | #12

    ارى ان من اهم الاساليب اضافتا الى ما قلتيه
    ( القدوة ) ,,
    ذلك المصطلح الذي اكاد اجهل معناه
    فالاب يمنع ابنه من التدخين و(هو) يدخن
    الام تمنع ابنتها عن الكذب و(هي) تكذب

    فما ذنب جيل يطلب منهم الاقتداء بـ(المدخن) و (الكاذب)
    اذا خرجوا ( مدخن)ـين و (كاذب)ـن

    وقس على هذا

  13. صوتان بن عالي
    27 أبريل 2010 عند 6:52 م | #13

    اشكرك يا حنان على طرح الراقي الذي ينم عن قائدة فكرية تربوية مميزة
    انتظرك في ميادين القيادة و الفكر والتربية و التميز

  1. 12 يونيو 2011 عند 5:51 ص | #1

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.