البداية > رأي > عثرة على طريق الالتزام (هيفاء الدوسي)

عثرة على طريق الالتزام (هيفاء الدوسي)

من أرشيف صديقتي هيفاء الدوسي

يروى أن :

شيخا أزهريا خرج من المسجد فتلقته امرأة عجوز وسألته مسألة فقهية ولم يكن يعرف إجابة لمسألتها فقال لها : لا أدري ، فقالت بلمسة سخرية : لابس عمة وعامل فيها مفتي ومش عارف !! فما كان منه إلا أن نزع عمته ووضعها على رأسها وقال :ماتفتينا أنت ..!

هذا الشيخ أدرك بسجيته الأزهرية وببداهة أم الدنيا التي يسكنها ما لو طرحناه اليوم لهذا المجتمع لرمينا بالتصوف وشيء من الليبرالية وربما الانسلاخ من الهوية والدس فيها.

هكذا إذن الجوهر هو المقياس وليست عمامة الشيخ،أما مجتمعي فله مقاييس اخرى في الحكم على البشر وقياس مدى “طواعتهم”..والطواعة مفردة تعودنا على أن نعدها سمة لكل رجل “ملتحي” وكل امرأة ترتدي “عباءتها على رأسها”.

هنا ،عفوا أقصد عند ثقافة تطغى على مجتمعي فباتت سمته العامة،والصبغة الظاهرة لخطابه الديني،هنا لابد أن تلتحي ليصدر لك المجتمع صك غفرانه،لابد أن ترتدي العمامة دون عقال لتبرهن على زهدك في لعاعة الدنيا،هنا لابد على الفتاة أن تلبس عباءتها على رأسها لأن العباءة وحدها هي المقياس،لاحظوا أني قلت العباءة ولم أقل الحجاب فهنا لاحجاب إن لم ترتديه وفق معايير قبلية محددة،ولهذ لاتستغرب أن تكون هناك مناطق ملتزمة ومناطق على العكس من ذلك فقط لأن غالبية بناتها لايرتدين العباءة بالطريقة السابقة أو لأن البعض منهن يتبع مذاهب فقهية أخرى _ ليس لهوى شخصي_،ولهذا من الطبيعي أن تكون الفتاة الأولى أكثر التزاما برغم عقوقها وسوء تعاملها وغشها وكل ماترتكبه من آثام سلوكية هي من جوهر الدين ولن يغفر للأخرى التزامها السلوكي مالم يتوج بعباءة الرأس.

المظهر والمخبر لاجدال حول أهمية التواطؤ بينهما ليغدو أحدهما سفير الآخر،لكن المشكلة حين يغدو أحدهما المعيار مع تغييب الآخر كليا ونفي وجوده في كثير من الأحايين،المشكل أكثر حينما نجمع ثقافتنا الإجتماعية ونخلطها بالدين (تحديدا بمسألة المظاهر)ثم نصدرها للعالم،ليأتي جفري لانغ ويصرخ فينا قلقا على ضياع ديننا ودينه. أنا مؤمنة تمام الإيمان بوجوب الحجاب وأن تاركته مذنبة،لكني أستغرب ممن يساوي بين فتاة همها الأول إخراج الحجاب من معناه وبين من تحجبت للتو بعد أن علمت بوجوب الحجاب من محاضرة ألقاها الأستاذ:عمرو خالد،وعمرو خالد قضية أخرى.

هناك شريحة عريضة من هذا المجتمع لاتقبل التدين إلا إن خرج بقالبه التقليدي الذي رسمه العرف والتقليد وليس ماجاء به الدين،لا أملك دكتوراة في الشريعة ولم أدرس من الفقه مايخولني للإفتاء،لكني عرفت من نصوص الكتاب والسنة أن الدين أوسع من أن نضيقه بعاداتنا،وعرفت أن المسلم الذي لاتنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر يعد صيدا ثمينا للشيطان الذي يحاول إقناعه بأنه لاجدوى من الصلاة مادامت لاتؤدي غرضها معك،حتى يشك بأمر صلاته ويتركها ويخرج من الدين بالكلية،كما يعد الشاب الخلوق الداعي إلى الله بحب محفوفا بفخاخ المجتمع الذي يريد لأفراده إلتزاما لايشوبه خطأ “حلق اللحية وإسبال الثوب” ممايزيد ضغط الناس على هؤلاء الشباب وبالتالي خروجهم من دائرة الإلتزام.

بالإضافة إلى أن الضغوط على الفتاة تكون أكثر وأشد،بدءا من حجابها وإنتهاءا بعبائتها،نعم أعرف أن هناك من “تكشف وجهها” إعتراضا على تغطية الوجه ولو كان الأمر بيدها لما تحجبت أصلا،لكني أعرف أن هناك من تقدم الموت على خلع الطرحة،وتعتبر حجابها هذا أكبر نعمة وحماية لها،وأعرف أن هناك من تلتزم بغطاء الوجه وعباءة أكبر همها أن تحولها لشيء آخر غير العباءة،لكني لن أنسى أبدا إحداهن وعباءتها بكل تفاصيلها الملفتة،والتي عندما صلت أطالت وقوفها،وعندما ركعت ظننتها ماتت،أما حينما سجدت فأيقنت بأنها ماتت فعلا،بعدها راجعت أمر صلاتي كثيرا.

وأرجو أن يكون ماذكرته مجرد إبتلاء مؤقت ويكون إيمان شبابنا أقوى فلا يلتفتوا لهذه الضغوطات،وأن يسيروا بالشكل الذي يرضي الله وليس المجتمع.

.

.

ختاما:

نحن لسنا بالسوء الذي تتخيلونه،لنا أخطاءنا والتي نرجو من الله أن يساعدنا على تغييرها،ولنا ديننا الذي نحبه ونسعى لخدمته،فلا تقفوا عثرة في طريقنا.

  1. 25 يوليو 2010 عند 5:47 ص | #1

    يا الله ..

    لم أقرأ تدوينة في حياتي 3 مرات كهذه ، و عينآي تفيض بالدمع في كل مره !

    شكراً لك و شكراً لهيفاء و شكراً للقدر الذي ساقني إلى هذا المكان .. نفع الله بكما..

    قبل أمس كنت أتحدث مع أحدهم عن إلتزام المظاهر الذي سيطر علينا في السعودية دون بقية البلدان حتى اصبح ظاهرة سلبية لا تمسك بالسنة و حسب..

    فمالم يعفي الرجل لحيته لا يسمى ملتزماً حتى و إن كان أكثر الناس صلاحاً و اخلاقاً ، فالمجتمع لم يأذن له بعد أن يكون من زمرة المسلمين الملتزمين !!

    و مالم تلبس المرأة عبائتها على الراس فهي لا تستحق أن تنادى بالطائعة الملتزمة !! و قد صادفت مواقف بالجملة على هذا الشيء!!

    كل ما استطيع قوله أننا نعاني من قولبة الدين كما نريد فأخذنا المظاهر و تركنا الجوهر المهم الذي به يحاسبنا الله سبحانه !!

    فبدل ان يكون إيمان تصدقه الجوارح ، اصبح عمل بالجوارح لا ينبع من الإيمان (عند البعض ولا أعمم)

    نسأل الله إيماناً صادقاً و نعوذ به من النفاق ..

  2. 25 يوليو 2010 عند 9:09 ص | #2

    راااااائعة راائعة فعلاً ، لا فض فوكِ ..
    ندعو الله أن يصلح حالنا

  3. 26 يوليو 2010 عند 6:25 ص | #3

    هناك رؤية اجتماعية متأصلة .. المصيبة أنها أصبحت سائدة !
    تأطير الدين في أشكال وأنماط ومسميات .. إلباسه لأجناس محددة .. نزع المسميات الشرعية .. وإلصاق مسميات جديدة ..

    لا وجود لشيء اسمه التزام .. مطوع .. هناك مؤمن ومسلم وفاسق ومنافق وكافر .. كلنا نندرج تحت أحد هذه المسميات فقط ..

    هذه النظرة هي التي أكسبت الدين أطر وشكليات أصبح المجتمع يتعامل وفق هذه الأطر وهذه الأنماط .. والمصيبة كل المصيبة .. أن التعميم سائد !

    مقالة رزينة بحق .. شكراً لك

  4. 4 اغسطس 2010 عند 9:15 م | #4

    اهلا يا حمدة ، لهيفاء قلم رائع و فكر اروع .. و ما تكتبه يستحق اعادة القراءة مئات المرات

    تونا .. امين يارب

    محمد الصالح، صدقت.. التقسيمات الدينية المعمول بها حاليا هي نتاج اختلاط ثقافي واضح مع المسيحيين , و المسلمون لم يعرفوا طوال فتراتهم التاريخية تمييز ديني كما هو الحال الآن !

  5. 11 اغسطس 2010 عند 12:42 م | #5

    مؤسف حقيقةً .. لكن لنبدأ بالتغيير من أنفسنا !

  6. 11 اغسطس 2010 عند 1:43 م | #6

    صدقت ، نظرية اعتنقها و احاول تطبيقها ..
    اهلا لمى

  1. 25 يوليو 2010 عند 2:21 م | #1
  2. 11 اغسطس 2010 عند 1:37 م | #2

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.